الشيخ محمد علي طه الدرة

11

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

جميع المضرات ، والآفات ، واعتراف من العبد أيضا بأنّ الشيطان عدوّ مبين ، ففي الاستعاذة لجوء إلى اللّه تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر ، وأنّه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا اللّه تعالى . انتهى . تنبيه : أجمع العلماء على أن الاستعاذة ليست من القرآن ، ولا آية منه ، وقد أجمعوا على الجهر بها في أوّل القراءة في غير الصلاة ، وفي الصلاة يسرّها في أول كلّ ركعة قبل الفاتحة عند الشّافعيّ ، وعند أبي حنيفة يسرّها في أول الركعة الأولى فقط ، وقد روى أبو سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة . وخذ في فضل الاستعاذة ما يلي : عن سليمان بن صرد - رضي اللّه عنه - قال : استبّ رجلان عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجعل أحدهما يغضب ، ويحمرّ وجهه ، وتنتفخ أوداجه ، فنظر إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إنّي لأعلم كلمة لو قالها ؛ لذهب ذا عنه : أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أتدري ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آنفا ؟ قال : « إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه : أعوذ باللّه من الشّيطان الرجيم » فقال له الرجل : أمجنونا تراني ؟ ! رواه البخاريّ ، ومسلم . وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي - رضي اللّه عنه - : أنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه ! إنّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي ، وقراءتي يلبسها عليّ ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ذاك شيطان يقال له : خنزب ، فإذا أحسسته ؛ فتعوذ باللّه منه ، واتفل عن يسارك ثلاثا » . قال : ففعلت ذلك فأذهبه اللّه عني . هذا وقد قال تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 200 ] : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وقال تعالى في سورة ( المؤمنون ) رقم [ 97 و 98 ] : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ( 97 ) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ وقال تعالى في سورة ( فصّلت ) رقم [ 36 ] : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . هذا وقالت طائفة من القرّاء : إن التعوّذ بعد القراءة ، وأخذوا بظاهر النّص : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ رقم [ 98 ] من سورة ( النحل ) . والذي عليه الجمهور : أنّ الاستعاذة قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها ، ومعنى الآية : إذا أردت القراءة ، كقوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا . . . إلخ ؛ أي : إذا أردتم القيام ، الآية رقم [ 7 ] من سورة ( المائدة ) . وعن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا سافر ، فأقبل عليه الليل ؛ قال : « يا أرض ربّي وربّك اللّه ، أعوذ باللّه من شرّك ، ومن شرّ ما خلق فيك ، ومن شرّ ما يدبّ عليك ، ومن أسد ، ومن أسود ، ومن الحيّة ، والعقرب ، ومن ساكن البلد ، ووالد وما ولد ! » رواه أبو داود . الإعراب : ( أعوذ ) : فعل مضارع ، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره : « أنا » ( باللّه ) متعلقان بالفعل قبلهما ، هذا وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر ؛ فلا بأس به ، ويكون